الأرشيف --> الفتاوى
فتوى شرعية بشأن أوضاع العراق (بعد احتلال العراق 2003م)
فتوى شرعية بشأن أوضاع العراق (بعد احتلال العراق 2003م) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم وبعد: لقد رأينا قبل يومين على شاشة التلفزيون مشهداً عظيماً وعجيباً ما كان يخطر بالبال أن نراه لا في يقظة ولا في منام . رأينا خليطاً من نسوه ورجال ومنهم رجال دين أختارهم الحاكم الأمريكي للعراق ليكونوا ما يسمى (مجلس الحكم) وقد أفتتح إجتماع هذا المجلس بحضور المدعوين لحضوره أحد أعضاء هذا المجلس وكان من رجال الدين. وفد جاء في كلمة هذا العالم: أن مجلس الحكم بدأ أجتماعه الأول بقرار ألغى بموجبة جميع الأعياد التي كان يحتفل بها النظام السباق ، كما قرر المجلس اعتبار يوم 9 نيسان من كل عام عيداً وطنياً للعراق، وهذا اليوم هو يوم دخول جيوش الكفرة بغداد فهم القاعة تصفيق حاد من قبل أعضاء مجلس الحكم والمدعوين ، وقد كان هذا التصفيف على درجة من الحدة وعلو الصوت وطول مدة استمراره بحيث لو أن النساء انفردن بالتصفيف ما كان باستطاعتهن أن يأتين بأقوى وأعلى صوتاً من هذا التصفيق الذي قام به الرجال الحاضرون، مع أن التصفيق جائز للنساء وغير جائز للرجال في أحكام شريعة الإسلام. وتعقيباً وتعليقا ًعلى ما قاله هذا العالم الديني في كلمة الافتتاح أن نذكره ونذكر غيره بأن الأعياد المشروعة في الإسلام هي عيدان فقط: عيد الفطر وعيد الأضحى ، وما عداهما لا يعد من الأعياد المشروعة والإسلامية، فإلغاء أعياد العهد البائن الحديث والقديم شي حسن ، ولكن الشي المحرم اعتبار يوم احتلال الكفرة: للعراق وعاصمته بغداد عيداً وطنياً، فما عهدنا في دولة في العالم أن تجعل من يوم احتلال العيد أرضها عيداً وطنياً لها .. ثم قام أحد أعضاء المجلس ليرد على سؤال أحد الحاضرين عن موقف مجلس الحكم من المقاومة المسلحة لقوات الاحتلال، فقال: أبدأ كلامي بالشكر والتقدير إلى بوش وبلير لما قدماه من خدمة للعراق بإرسال جيوشهما لتحرير العراق .. أما المقاومة المسلحة فقال عنها: أنها شرذمة من أذناب العهد السابق تريد التشويش على جيش التحرير ، فضجت القاعة بالتصفيف الحار الذي جاء أشد وأقوى من التصفيق الذي ظفر به كلام العالم الديني الذي بشر الحاضرين بأن أول قرارات المجلس كانت إلغاء الأعياد السابقة وجعل يوم 9 نيسان وهو يوم احتلال بغداد عيداً وطنياً للعراق. والغريب أن مداح بوش وجيشه يرفض أعتبار هذا الجيش حين احتلال أو أعتبارهم محتلين مع أن الأمريكان هم يقولون أنهم محتلون وسلطتهم سلطة احتلال وهكذا قال أيضاً وقرر بأن الأمريكان في العراق سلطة احتلال. والحق أننا دهشنا من قول هذا المداح لبوش ومن تهجمه عن المقاومة الشرعية من رجل منسوب إلى أهل العراق ويعتبر من أعضاء مجلس الحكم ورئيساً لحزب، وقد حاولنا أن نقلب صفحات التاريخ الإسلامي لنجد شيئاً صدر من بلد إسلامي احتله الكفرة فقام أهله بالثناء والمديح والترحيب بهؤلاء الكفرة المحتلين فلم نجد مثيلاً لما شاهدناه وسمعناه من استعراض على الشاشة لمجلس الحكم ، اللهم إلا ما يرويه لنا التاريخ من ثناء وترحيب من الوزير العلقمي ومن اتباعه عند قدوم هولاكو العراق واحتلاله بغداد. الحكم الشرعي للواقع الذي نعيشه: أن الواقع الذي نعيشه يمكن وصفه ببساطة: بلد إسلامي هو العراق احتله الكفرة من الأمريكان والإنكليز بحجة أن هذا البلد والنظام الذي فيه وحاكمه يشكلون خطراً على الجيران وعلى العالم لأن لهذا النظام وحاكمه أسلحة دمار شامل ، فلابد من التخلص منه ومن أسلحته، وعلى هذا الأساس جاءت جيوشهم واحتلوا العراق، وإنهوا النظام وقُتل من قُتل من حكامه وفر من فر منهم، وصار الحكم بيد هؤلاء الكفرة المحتلين وأعلنوا أولاً أنهم جاءوا محررين لا محتلين، ثم عادوا وقالوا وقال معهم مجلس الأمن أنهم (محتلون). واختلف الناس في موقفهم منهم، فمن الناس من أعلن سروره باحتلالهم العراق وطلبوا بقائهم مدة طويلة حتى يكمل تحريرهم للعراق من سيئات الماضي، ومنهم من طلب التعاون معهم باعتبارهم حلفاء لا أعداء، ومنهم من رأي قتالهم على اختلاف في دواعي هذا القتال، فما هو الحكم الشرعي لموقف المسلم من واقع الاحتلال وأهله؟ أولاً الحكم الشرعي في موقف المسلم من هؤلاء الكفرة المحتلين هو وجوب قتالهم لأن قتالهم – وقد احتلوا العراق وهو بلد مسلم – صار واجباً عينياً على كل مسلم قادر على قتالهم، وعلى هذا اتفاق علماء الإسلام، فمن أقوالهم: جاء في الشرح الكبير في فقه الحنابلة " إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم " وجاء فيه أيضاً: " هو، أي قتال الكفار، فرض عين في موضعين (أحدهما) إذا التقى الزحفان – أي الجيشان- وهو حاضر. (والثاني) إذا نزل الكفار بلد المسلمين تعين على أهله النفير إليهم إلا لأحد رجلين: من تدعوا الحاجة إلى تخلفه لحفظ الأهل أو المكان أو المال ، والآخر من يمنعه الأمير من الخروج ". وقال الإمام القرطبي في تفسيره "إذا تعين الجهاد لغلبه العدو على قطر من الأقطار – أي الإسلامية قالوا: على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً ، شباناً وشيوخاً، كلاً على قدر طاقته، من كان له أب بغير أذنه، ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثرّ- أي يكثر عدد المقاتلين أن لم يقدر هو على القتال – فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة ثم قال رحمه الله : ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضاً الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الجوزة ويخزى العدو ولا خلاف في هذا ". وبعد أن قال الحنفية أن الكفار إذا دخلوا بلداً إسلامياً صار قتالهم فرض عين على أهل هذا البلد قالوا : وكذلك الغلمان الذين لم يبلغوا إذا أطاقوا القتال فلا بأس أن يخرجوا ويقاتلوا وإن كره ذلك الآباء والأمهات. ثانياً ومن الحكم الشرعي لموقف المسلم من الكفرة المحتلين عدم موالاتهم ومودتهم ومناصرتهم ومعاونتهم، وعلى ذلك دلت آيات القرآن الكريم ومنها :   قال تعالى في سورة النساء (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) وقد قال المفسرون في تفسير هاتين الآيتين: التعزز يكون بالله لا بالكافرين كما يتوهمه المنافقون الذي يتخذون الكافرين أولياء لهم يوالونهم ويمالؤنهم ويناصروهم من دون المؤمنين. وقال تعالى في سورة المجادلة الاية 22 (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ….). وجاء في تفسيرها: لا تجد قوماً يؤمنون الأيمان الصحيح المطلوب يحبون ويوالون من حاد الله أي من عادى الله ورسوله وشاقهما ولهذا قتل أبو عبيده أباه في معركة بدر يوم كان مشركاً يقاتل المسلمين مع المشركين. وقال تعالى في سورة الممتحنة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ … ). وقد جاء في تفسيرها: (أضاف سبحانه العدو إلى نفسه تعظيماً لجرمهم وتغليضاً فيه . والآية تدل على النهي عن موالاة الكفار بأي وجه من الوجوه " تلقون إليهم بالمودة" أي توصلون إليهم المودة، والمعنى: تلقون إليهم أخبار النبي  ﷺ  بسبب المودة التي بينكم وبينهم). وفي الآية تحذير للجواسيس الذين أخبار المؤمنين المجاهدين إلى الكفار بسبب المودة التي بينهم وبين الكفار أو بسبب ما يحصلون منهم على المال. ثالثاً لا تجوز مناصرة الكفرة المحتلين وأن تسببوا بإزاحة الحكم السابق الظالم لأنه ليس من معهود الشرع أن يسمح للمسلم أن يقبل حكم الكافر لكونه أزاح حكماً ظالماً ونظاماً فاسداً. ثم أن هؤلاء الكفرة لم يأتوا لمصلحتنا ولتخليصنا من حكم ظالم وإنما جاءوا لتحقيق مصالحهم ومصالح اليهود في العراق. وعلى كل حال لا يجوز ويحرم على المسلم أن يفرح بقدوم الكفرة واحتلالهم العراق أو يقول أنهم يستحقون أن نكافئهم على تسببهم في إزاحة الحكم الظالم بأن نقبل ولا يتهم علينا وحكمهم لنا واحتلالهم لبلادنا لأن هذا القول الباطل يخالف ويناقض أمر الشرع بوجوب قتال الكفرة الذين يحتلون بلداً إسلاميا. رابعاً ومما يؤكد وجوب مقاتلة هؤلاء الكفرة المحتلين أنهم بالإضافة إلى إفسادهم وتحزيبهم في العراق اعتدوا ولا يزالون يعتدون على حرمات البيوت وترويع الآمنين، والإطلاع على عورات النساء المسلمات وهن في بيوتهن بتفتيشهن وتلمس أجسادهن الطاهرة بأيديهم النجسة بحجة التحري عن السلاح. وهذا الاعتداء وحده على أعراض النساء يكفي لنقض المعاهدة مع قوم يفعل ذلك فكيف بمن يفعله من الكفرة المحتلين، يفعله كافر محتل معتد أثيم جاءنا من وراء البحار فأهدر كرامتنا ومرغها بالتراب ثم تجرأ على الاعتداء على كرامة وعرض نسائنا، إن هذا الاعتداء يرفضه الإسلام ولا يسمح لمسلم أن يقبله بل يجعل من يقاتل دون أهله فيقتل فهو شهيد كما جاء في حديث رسول الله ﷺ. ثم نقول إذا لم يجب القتال ضد هؤلاء الكفرة المحتلين فمتى يجب؟ إن معاهدة رسول الله ﷺ مع يهود بني قينقاع نقضه اعتداء يهودي على عرض إمرأة مسلمة بأن عقد ثوبه وكانت جالسة في محل صائغ يهودي من المدينة لتشتري منه بعض ما عنده فعقد طرف ثوبه بحيث إنها لما قامت ظهر شيء من عورتها فاستغاثت بالمسلمين فقدم مسلم وقتل اليهودي وجاء اليهود وقتلوا المسلم وهكذا أنتشر القتال وقد أعتبر النبي ﷺ ما فعله اليهودي نقضاً للمعاهدة مع المسلمين وإنما ما حدث هو نتيجة لنقض اليهود الذين ناصروا اليهودي الصائغ وكان نتيجة ذلك أن أخرجهم النبي ﷺ نتيجة فعلهم وقد اكتفى النبي ﷺ بإخراجهم من المدينة. فالاعتداء على أعراض المسلمات العفيفات لا يمكن قبوله قط ولا السكوت عليه ويضاعف وجوب مقاومة هؤلاء الكفرة المحتلين لبلادنا المعتدين علينا بأنواع الاعتداء . خامساً موقف المسلم من جماعات المقاومة المسلحة: قلنا أن قتال الكفرة المحتلين لبلادنا واجب عيني، ورجال المقاومة المسلحة يقومون بتنفيذ هذا الواجب العيني فلا يجوز مطلقاً تنقيصهم أو ذمهم أو التجسس عليهم ومن يفعل ذلك يكن بمنزلة الكفرة المحتلين. لأنها هؤلاء المقاومين مجاهدون في سبيل نصرة الإسلام لإخراج الكفرة من بلد مسلم ، وقتيلهم شهيد وجهادهم يرهب العدو ويلقي الرعب في قلوب أفراده ، وهو الذي سيؤدي إن شاء الله تعالى بخروجهم من العراق. وعلى جميع المسلمين نصرتهم وإعانتهم وتحريض القادرين على القتال الإنضمام إليهم لأن التحريض على الجهاد جهاد, قال تعالى في سورة النساء (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ … الآية), وقال تعالى في سورة الانفال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) ولنا برسول الله أسوة حسنة في تحريض المؤمنين على القتال – قتال الكفرة المحتلين - . إعتراض ودفعه: وإذا قيل أن المقاومة المسلحة لا تخرج الكفرة المحتلين من العراق فيكون عملها عبثاً وسبباً لكراهة المحتلين لأهل العراق وتعمد إيذائهم والإضرار بهم وهذا لا يجوز فلا يجوز سببه. كما أن في هذه المقاومة المسلحة معاونة للرئيس السابق وأعوانه من حزب البعث، ومعاونة هؤلاء وقد فعلوا ما فعلوه لا يجوز والجواب على هذا الاعتراض أن المسلم يقوم بواجب شرعي عيني عليه وهو مقاومة الكفرة المحتلين وهو إذ يقوم بهذا الواجب الشرعي يقوم به طاعة لله وابتغاء مرضاته ونصرة لدينه، ولا يقوم بهذه المقاومة من أجل الرئيس السابق صدام حسين ولا نصرة ولا معاونة له أو لحزب البعث وقد أعلنت هذه المقاومة الاسلامية المسلحة ببيان أصدرته بأنها لا علاقة لها بالرئيس السابق ولا بأعوانه وإن ما تقوم به من مقاومة إنما هو طاعة لله وابتغاء مرضاته ولا علاقة البته لها بصدام ولا بأعوانه . وأما القول بأن المقاومة المسلحة لا تخرج العدو المحتل من العراق فيكون عملها عبثاً، فالجواب أن المسلم يقوم بما هو واجب شرعي يلزمه القيام به وسواءً قصّر في هذا الواجب غيره أو لم يقم به ، أو لم يقصر، بل إن المسلم يقوم بهذا الواجب الجهادي ولو بقي وحده يقوم بهذا الواجب. قال الإمام القرطبي في تفسيره على وجه السؤال والجواب: ما يصنع الفرد إذا قصر الجميع في الجهاد؟ فقال رحمه الله: يغزوا – إي يقاتل من يجب قتاله- بنفسه إن قدرت وإلا جهز غازياً، وهذا مع اعتقادنا بأن المقاومة المسلحة ترهب العدو وستحمله إنشاء الله تعالى على الخروج من العراق. سادساً موقف المسلم من مجلس الحكم : قام هذا المجلس وتأسس واختير اعضاءه من قبل الحاكم الأمريكي للعراق ، فما الموقف الشرعي للمسلم من هذا المجلس؟ هذا من نجيب عليه فيما يلي: أن هذا المجلس اختير أعضاءه من قبل الكافر الذي نصب نفسه أو نصبه الكفرة المحتلون وجعلوا له الولاية على العراق وأهله المسلمين ، ومن مظاهر ولايته تعيينه أعضاء هذا المجلس، والمسلم يرفض ولاية الكافر عليه قال تعالى في سورة النساء (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) فيجب على المسلم رفض هذا التعيين في عضويه هذا المجلس. إن أعضاء هذا المجلس لا يحملون معاني اسلامية ولا موازين اسلامية، و لا يقبلون بمرجعية الشريعة الإسلامية فيما يأخذون ويذكرون وفيما يقولون وفيما يريدون، ولهذا سمعنا من أحدهم المديح والثناء على الكافر المحتل والآمر بالاحتلال بوش وبلير ولم نر أحداً من الجالسين ينكر عليه هذا الثناء، كما لم نر أحداً من أعضاء المجلس ينكر على ذلك المتزي بزي العلماء الذي قال بان المجلس قرر اتخاذ يوم 9 نيسان عيداً وطنياً وهو يوم احتلال الكفرة بغداد ، فإذا كان المجلس يقال فيه مثل هذا الباطل المناقض لشرع الله ويسكت أعضاءه ولا يردون فكيف يمكن للمسلم أن يجالس هؤلاء الاعضاء؟ ألا يمكن أن يقال أن من يقبل مجالستهم والاشتراك في قراراتهم التي يصدرونها بعيداً عن معاني الإسلام وموازينه باعتباره عضواً فيه ، يناله شيء مما يدل عليه قوله تعالى في سورة النساء ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) وقد جاء في تفسير هذه الآية:    (أ) في الآية دلل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقيص والاستهزاء للأدلة الشرعية [تفسير فتح البيان في مقاصد القرآن للعلامة صديق حسن]    (ب) وقال الإمام القرطبي في تفسيره، في تفسير هذه الآية [ فكل من جلس مجلس معصية ولم ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على الإنكار عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية]     (ج) وفي تفسير ابن عطية المسمى المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [وفي هذه الآية دليل قوي على وجوب تجنب أهل البدع وأهل المعاصي إلا يجالسوا] وكل دلالات الآية الكريمة وأقوال المفسرين فيها لا تساعد على القول بجواز اشتراك المسلم في هذا المجلس بل تدل على ضرورة الابتعاد عنه. إن هذا المجلس أريد به أن يكون أداة تنفيذ لما يقرره الكافر المحتل ولو أن صدور هذا القرار باسم المجلس، ومن بديهيات معاني الإسلام حرمة معاونة الكافر المحتل لأنه لا يستحق إلا السعي لإخراجه لا إلى إبقائه، فلا يجوز للمسلم أن يشترك في هذه المعاونة المحرمة عن طريق إصدار القرارات التي يريدها الكافر المحتل. إن إعضاء هذا المجلس لا يحملون معاني إسلامية وليس لهم موازين إسلامية يعرفون بها ما يجوز وما لا يجوز لأن الشريعة الإسلامية ليست هي مرجعيتهم في حياتهم ولا في أمور هذا المجلس، وبالتالي فإن هذا المجلس وهذه طبيعة أعضائه وأفكارهم لا يسمحون لعضو مسلم فيه أن يتكلم بإسم الإسلام وإذا أراد أن ينصتوا ويسمعوا ما يقول فلن يسمحوا ، وإذا سمحوا له بالكلام والاستماع اليه فلن ينفذ ما يقول لأن الآراء تؤخذ بالأكثرية ولا أكثرية للإسلام وأهله في هذا المجلس الذي انكشفت هويات أعضائه وشخصياتهم وصدق الله العظيم (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ). إن ما يقول أعضاء هذا المجلس معبرين بأقوالهم عما يؤمنون به مما لا يجوز السكوت عليه مطلقاً كما حدث لما صرح به بعض أعضاء المجلس وما طرحوه من أفكار، وكان المأمول أن يقوم من يرد على أقوالهم الباطلة ولكن الذي حدث أن قوبلت أقوالهم بالتصفيق الذي هز قاعة الاجتماع فهو يؤمل ويرجى الخير من هذا المجلس. وبناءً على ما تقدم فإن الحكم الشرعي بالنسبة لهذا المجلس هو عدم الاشتراك في عضويته، ومن اشترك في عضويته من المسلمين الإنسحاب منه حالاًمع بيان أسباب الإنسحاب وهي أسباب شرعية أشرنا إليها في الفقرات السابقة، والله يقول الحق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. الدكتور عبد الكريم زيدان  16 جماد الأولى 1424هـ  الموافق 16 تموز 2003م
تجد هذه الصفحة في موقع الموقع الرسمي للشيخ عبدالكريم زيدان (الموقع الرسمي للشيخ عبدالكريم زيدان)
http://www.drzedan.com
الارتباط إلى هذه الصفحة
http://www.drzedan.com/content.php?lng=arabic&id=64